الجاحظ

271

البخلاء

« فليس عليه قطع الطريق ، بل عليّ قطع » . وأتى ابن اشكاب الصيرفي صديق له ، يستلف منه مالا . فقال : « لو شئت أن أقول لقلت ، وأن أعتلّ اعتللت ، وأن أستعير بعض كلام من يستلف منه إخوانه فعلت ، وليس أرى شيئا خيرا من التصحيح وقشر العصا « 1 » . ليس أفعل . فإن التمست لي عذرا فهو أروح لقلبك ، وإن لم تفعل فهو شرّ لك » . وضاق الفيض بن يزيد ضيقا شديدا ، فقال : « واللَّه ما عندنا من شيء نعوّل عليه ، وقد بلغ السكين العظم « 2 » . والبيع لا يكون إلا مع طول المدة . والرأي أن ننزل هذه النائبة بمحمد بن عبّاد « 3 » ، فإنه يعرف الحال وصحّة المعاملة وحسن القضاء وما لنا من السبب المنتظر . فلو كتبت إليه كتابا لسرّه ذلك ولسدّ منا هذه الخلَّة القائمة الساعة » . فتناول القلم والقرطاس ، ليكتب اليه كتاب الواثق المدلّ ، لا يشك أنه سيتلقى حاجته بمثل ما كان هو المتلقّي لها منه . ومضى بعض من كان في المجلس إلى محمد ابن عبّاد ليبشره بسرعة ورود حاجة الفيض إليه ؛ فأتاه أمر لا يقوم له إلا بأن يتقدم بالكتابة ، ليشغله بحاجته إليه عن حاجته اليه ، فكتب اليه : « مالي يضعف ، والدخل قليل ، والعيال كثير ، والسعر غال ، وأرزاقنا من الديوان قد احتسبت ، وقد تفتحت علينا من أبواب النوائب في هذه الأيام ما لم يكن لنا في حساب . فإن رأيت أن تبعث إليّ بما أمكنك فعجّل به ، فان بنا إليه أعظم الحاجة » .

--> « 1 » قشر له العصا : اي كشف له ما يضمر وما يريد . « 2 » اي بلغ حدّه ، للدلالة على شدة الألم . « 3 » شاعر وراوية .